فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الثعلبي:

{وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} باطلًا وفرحًا {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا} وذلك أن اللّه تعالى جعل لكل قوم عيدًا يعظمونه ويصلون فيه فكان قوم اتخذوا عيدهم لهوًا ولعبًا إلاّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة للّه.
وذكرا مثل الجمعة والفطر والنحر {وَذَكِّرْ بِهِ} وعظ بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} يعني أن لا تبسل كقوله تعالى بين اللّه لكم أن تضلوا. ومعنى الآية ذكرهم ليؤمنوا فلا تبسل نفس بما كسبت.
قال ابن عباس: تهلك، قتادة: تحيس.
الحسن، ومجاهد، وعكرمة، والسدي: تسلم للهلكة. علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: تفضح.
الضحاك: تفضح وتحرق. المؤرخ، وابن زيد: تؤخذ.
قال الشاعر:
وإبسالي بني بغير جرم ** بعونها ولا بدم مراق

العوف بن الأحوض: وكان رهن بيته وحمل عن غنى لبني قشير دم السحقية. فقالوا: لا نرضى بك، فدفعهم رهنًا، وقوله بعونا أي جنينًا، والبعو الجناية.
وقال الأخفش: تبسل أي تجزى. وقال الفراء: ترتهن.
وأنشد النابغة الجعدي:
ونحن رهنًا بالأفاقة عامرًا ** بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا

وقال عطية العوفي: يسلم في خزية جهنم.
وقال أهل اللغة: أصل الإبسال التحريم، يقال: أبسلت الشيء إذا حرمته، والبسل الحرام.
قال الشاعر:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى ** بسل عليك ملامتي وعتابي

فقال: أنشدنا بسل أي شجاع لا يقدّر موته كأنه قد حرم نفسه ثم جعل ذلك نعتًا لكل شديد. يترك، ويبقى. ويقال: شراب بسل أي متروك.
قال الشنفرى:
هنالك لا أرجو حياة تسرني ** سمير الليالي مبسلًا بالجرائر

وقوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا} أي لتلك الأنفس {مِن دُونِ الله وَلِيٌّ} حميم وصديق {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لهم في الآخرة {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} تفد كل فداء، {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا}.
قال أبو عبيدة: وإن يقسطه كل قسط لا يقبل منها لأن التوبة في الحياة. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} فيهم قولان:
أحدهما: أنهم الكفار الذين يستهزئون بآيات الله إذا سمعوها، قاله علي بن عيسى.
والثاني: أنه ليس قوم لهم عيد يلهون فيه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أعيادهم صلاة وتكبير وبر وخير، قاله الفراء.
{وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} يحتمل وجهين:
أحدهما: معناه وغرتهم الحياة الدنيا بالسلامة فيها، ونيل المطلوب منها.
والثاني: معناه وغرتهم الدنيا بالحياة والسلامة منها، فيكون الغرور على الوجه الأول بالحياة، وعلى الثاني بالدنيا.
{وَذَكَّرَ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} قيل معناه أن لا تبسل كما قال تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 176] بمعنى أن لا تضلوا.
وفي قوله: {أَن تُبْسَلَ} ستة أوجه:
أحدها: أن تسلم، قاله الحسن، وعكرمة، ومجاهد، والسدي.
والثاني: أن تُحْبَس، قاله قتادة.
والثالث: أن تُفْضح، قاله ابن عباس.
والرابع: أن تُؤْخَذ بما كسبت، قاله ابن زيد.
والخامس: أن تُجْزَى، قاله الكلبي.
والسادس: أن تُرْتَهن، قاله الفراء، من قولهم أسد باسل لأن فريسته مُرْتَهَنَة معه لا تَفْلِت منه، ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي:
وإبسالي بني بغير جرم ** بعوناه ولا بدم مراق

وقوله: بعوناه أي جنيناه، وأصل الإبسال التحريم من قولهم: شراب بَسْل اي حرام، قال الشاعر:
بَكَرت تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ في النَّدى ** بسلٌ عليكِ مَلاَمَتِي وَعِتَابي

أي حرام عليك.
وفي قوله تعالى: {... وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} تأويلان:
أحدهما: معناه وإن تفد كل فدية من جهة المال والثروة، قاله قتادة، والسدي، وابن زيد.
والثاني: من جهة الإِسلام والتوبة، قاله الحسن.
واختلف في نسخها على قولين:
أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُم} [التوبة: 5] قاله قتادة.
والثاني: أنها ثابتة على جهة التهديد كقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر: 11]، قاله مجاهد. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا} فيهم قولان:
أحدهما: أنها الكفار.
والثاني: اليهود والنصارى.
وفي اتخاذهم دينهم لعبًا ولهوًا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه استهزاؤهم بآيات الله إذا سمعوها.
والثاني: أنهم دانوا بما اشتَهوا، كما يلهون بما يشتهون.
والثالث: أنهم يحافظون على دينهم إذا اشتَهوا، كما يلهون إذا اشتَهوا.
قال الفراء: ويقال: إنه ليس من قوم إلا ولهم عيد، فهم يَلْهون في أعيادهم، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أعيادهم صلاة وتكبير وبرٌ وخير.
فصل:
ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، قولان:
أحدهما: أنه خرج مخرج التهديد، كقوله: {ذرني ومن خلقت وحيدًا} [المدثر: 11] فعلى هذا، هو محكم.
وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد.
والثاني: أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف؛ وإلى هذا ذهب قتادة، والسدي.
قوله تعالى: {وذكِّر به} أي: عظ بالقرآن.
وفي قوله: {أن تبسل} قولان:
أحدهما: لئلا تبسل نفس كقوله: {أن تضلوا} [النساء: 176].
والثاني: ذكرّهم إبسال المبسلين بجناياتهم، لعلَّهم يخافون.
وفي معنى {تبسل} سبعة أقوال:
أحدها: تُسْلَم.
رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي.
وقال ابن قتيبة: تُسْلَم إلى الهلكة.
قال الشاعر:
وإبسالي بَنّي بِغَيْرِ جُرْمٍ ** بَعَوْناه ولا بِدِمٍ مُرَاقِ

أي: بغير جرم أجرمناه؛ والبَعْوُ: الجناية.
وقال الزجاج: تُسْلَمُ بعملها غير قادرة على التخلص.
والمستبسل: المستسلم الذي لا يعلم أنه يقدر على التخلص.
والثاني: تُفْضَح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثالث: تُدفع، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والرابع: تُهلَكُ، روي عن ابن عباس أيضًا.
والخامس: تُحبس وتُؤخذ، قاله قتادة، وابن زيد.
والسادس: تُجزى، قاله ابن السائب، والكسائي.
والسابع: تُرتهن، قاله الفراء.
وقال أبو عبيدة: تُرتهن وتسلم؛ وأنشد:
هُنَالِكَ لا أرْجُو حَياةً تَسُرُّنِي ** سَمِيْرَ اللَّيالي مُبْسَلًا بالجَرَائِر

سمير الليالي: أبَدَ الليالي.
فأما الولي: فهو الناصر الذي يمنعها من عذاب الله.
والعدل: الفداء.
قال ابن زيد: وإن تفتد كلَّ فداء لا يقبل منها.
فأما الحميم، فهو الماء الحار.
قال ابن قتيبة: ومنه سمي الحمّام. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا}.
هذا أمر بالمشاركة وكان ذلك بحسب قلة أتباع الإسلام حينئذ، قال قتادة: ثم نسخ ذلك وما جرى مجراه بالقتال، وقال مجاهد: الآية إنما هي للتهديد والوعيد فهي كقوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدأ} [المدثر: 11] وليس فيها نسخ لأنها متضمنة خبرًا وهو التهديد، وقوله: {لعبًا ولهوًا} يريد إذ يعتقدون أن لا بعث فهم يتصرفون بشهواتهم تصرف اللاعب اللاهي، {وغرتهم الحياة الدنيا} أي خدعتهم من الغرور وهو الإطماع بما لا يتحصل فاغتروا بنعم الله ورزقه وإمهاله وطمعهم ذلك فيما لا يتحصل من رحمته.
قال القاضي أبو محمد: ويتخرج في {غرتهم} هنا وجه آخر من الغَرور بفتح العين أي ملأت أفواههم وأشبعتهم، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ولما التَقَيْنَا بالحَنِيَّةِ غَرَّنِي ** بِمَعْروفِهِ حتّى خَرَجَتُ أُفَوِّقُ

ومنه غر الطائر فرخه، ولا يتجه هذا المعنى في تفسير غر وفي كل موضع وأضاف الدين إليهم على معنى أنهم جعلوا اللعب واللهو دينًا، ويحتمل أن يكون المعنى اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعبًا ولهوًا، والضمير في {به} عائد على الدين، وقيل: على القرآن، و{أن تبسل} في موضع المفعول أي لئلا تبسل أو كراهية أن تبسل، ومعناه تسلم، قال الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تحبس وترتهن، وقال ابن عباس: تفضي وقال الكلبي وابن زيد: تجزى، وهذه كلها متقاربة بالمعنى، ومنه قول الشنفرة: [الطويل]
هنالك لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ** سَمِيرَ اللَّيالي مُبْسَلًا بالجَرَائِرِ

وقال بعض الناس هو مأخوذ من البَسَل أي من الحرام كما قال الشاعر ضمرة النهشاني: [الكامل]
بَكَرَتْ تَلُومُكَ بِعْدَ وَهْنٍ في النَّدَى ** بَسل عَلَيْك مَلامَتِي وعِتابي

قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، و{نفس} تدل على الجنس، ومعنى الآية وذكر بالقرآن والدين وادع إليه لئلا تبسل نفس التارك للإيمان بما كسبت من الكفر وآثرته من رفض الإسلام، وقوله تعالى: {ليس لها من دون الله} في موضع الحال، و{من} لابتداء الغاية ويجوز أن تكون زائدة و{دون} ظرف مكان وهي لفظة تقال باشتراك، وهي في هذه الآية الدالة على زوال من أضيفت إليه من نازلة القول كما في المثل:
وأمر دون عبيدة الودم... والولي والشفيع هما طريقا الحماية والغوث في جميع الأمور {وإن تعدل كل عدل} أي وإن تعط كل فدية، وإن عظمت فتجعلها عدلًا لها لا يقبل منها، وحكى الطبري عن قائل ان المعنى وإن تعدل من العدل المضاد للجور، ورد عليه وضعّفه بالإجماع على أن توبة الكافر مقبولة.
قال القاضي أبو محمد: ولا يلزم هذا الرد لأن الأمر إنما هو يوم القيامة ولا تقبل فيه توبة ولا عمل، والقول نص لأبي عبيدة، والعدل في اللغة مماثل الشيء من غير جنسه، وقبل: العِدل بالكسر المثل والعَدل بالفتح القيمة، و{أولئك} إشارة إلى الجنس المدلول عليه بقوله: {تبسل نفس}، و{ابسلوا} معناه أسلموا بما اجترحوه من الكفر، والحميم الماء الحار، ومنه الحمام والحمة ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل]
إلا الحَميمَ فإنَّه يَتَبَصَّعُ ** وأليم فعيل بمعنى أي مؤلم

. اهـ.

.قال الخازن:

{وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا} الخطاب للنبي.
يعني: وذر يا محمد هؤلاء المشركين الذين اتخذوا دينهم الذي أمروا به ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبًا ولهوًا وذلك حيث سخروا به واستهزؤوا به وقيل إنهم اتخذوا عبادة الأصنام لعبًا ولهوًا.
وقيل: إن الكفار إذا سمعوا القرآن لعبوا ولهوا عند سماعه.
وقيل إن الله جعل لكل قوم عيدًا فاتخذ كل قوم دينهم يعني عيدهم لعبًا ولهوًا يلعبون ويلهون فيه إلا المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة وتكبيرًا وفعل الخير فيه مثل عيد الفطر وعيد النحر ويوم الجمعة {وغرتهم الحياة الدنيا} يعني أنهم اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين الحق واتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا ومعنى الآية: وذَرْيا محمد الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا واتركهم ولا تبالِ بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف وهو قول قتادة والسدي.
وقيل: إنه خرج مخرج التهديد فهو كقوله: {ذرني ومن خلقت وحيدًا} وهذا قول مجاهد فعلى هذا تكون الآية محكمة.
وقيل: المراد بالإعراض عنهم: ترك معاشرتهم ومخالطتهم لا ترك الإنذار والتخويف ويدل عليه قوله: {وذكر به} يعني وذكر بالقرآن وعِظْ به هؤلاء المشركين {أن تبسل نفس بما كسبت} أي لئلا تبسل نفس وأصل البسل في اللغة: التحريم وضم الشيء ومنعه.
وهذا عليك بسل: أي حرام ممنوع.
فمعنى تبسل نفس بما كسبت: ترتهن وتحبس في جهنم وتحرم من الثواب بسب بما كسبت من الآثام.
وقال ابن عباس: تبسل تهلك.
وقال قتادة: تحبس يعني في جهنم.
وقال الضحاك: تحرق بالنار.
وقال ابن زيد: تؤخذ يعني بما كسبت.
وقيل: تفضح.
والمعنى: وذكرهم بالقرآن ومواعظه وعرفهم الشرائع لكي لا تهلك نفس وترتهن في جنهم بسبب الجنايات التي اكتسبت في الدنيا وتحرم الثواب في الآخرة {ليس لها} يعني لتلك النفس التي هلكت {من دون الله ولي} أي قريب يلي أمرها {ولا شفيع} يعني يشفع لها في الآخرة {وإن تعدل كل عدل} يعني وإن تفتد بكل فداء والعدل الفداء {لا يؤخذ منها} يعني العدل وتلك الفدية {أولئك الذين} إشارة إلى الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا وغرتهم الحياة الدنيا {أبسلوا بما كسبوا} يعني أسلموا إلى الهلاك بسبب ما اكتسبوا {لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} ذلك لهم بسبب كفرهم. اهـ.